نايف السنيد
31-12-2008, 11:03 PM
ردة بعض كلب دومة الجندل في عهد الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه (11-13هـ):
بعدما توفي الرسول صلى الله عليه وسلم [توفى صلى الله عليه وسلم حين زاغت شمس الإثنين 12 ربيع الأول سنة (11هـ)] ارتدت بعض كلب دومة الجندل من الذين لم يتعمق الإسلام في نفوسهم ممن أسلموا متأخراً، حيث تذكر المصادر التاريخية أن وديعة الكلبي قد ارتد فيمن آزره من كلب دومة الجندل ومنعوا الزكاة؛ بينما بقي امرؤ القيس الكلبي وكثير من كلب دومة الجندل على إسلامهم.
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد توفي وهو لم ينفذ جيش أسامة بن زيد (رضي الله عنه)، والذي بعثه إلى الشام وأمره أن يوطيء الخيل تخوم البلقاء، والداروم [قلعة تقع قرب غزة] من أرض فلسطين، وبلاد الأردن.
فما كان من أبي بكر الصديق رضي الله عنه (11- 13هـ) عندما تولى خلافة المسلمين إلا أن قام بإنفاذ جيش أسامة رضي الله عنه قائلاً لأسامة: " أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك؛ إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصيك، فأنفذ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإني لست آمرك ولا أنهاك عنه، وإنما أنا منفذ لأمرٍ أمرَ به رسول الله صلى الله عليه وسلم ".
وفعلاً سار جيش أسامة سريعاً ووطيء بلاد قضاعة، ثم نزل وادي القرى، ومنها إلى أبنى فشن الغارة تلو الأخرى، وبث الخيول لمحاربة المرتدين ففروا من بين يديه إلى وديعة الكلبي في دومة الجندل، ومضى أسامة بخيوله حتى حدود مؤتة ثم انكفأ سالماً غانماً.
ومن هنا أصبحت دومة الجندل حصناً من حصون المرتدين، وشوكة في حلق المسلمين، خاصة بعدما ارتد أيضاً حاكمها الأكيدر بن عبدالملك السكوني.
ولذلك فإن أبا بكر الصديق رضي الله عنه عقد لواءً لعمرو بن العاص رضي الله عنه من أجل محاربة وديعة الكلبي ومن ارتد معه في دومة الجندل، ولواءً لشرحبيل بن حسنة رضي الله عنه مدداً له بعدما ينتهي من محاربة مرتدي اليمامة.
وفعلاً: سارت تلك الجيوش إلى وجهتها وأهدافها المحددة، حيث يذكر الطبري أنها أعادت من ارتد إلى دين الإسلام، بعد قتالها المُصِرّ على الردة، وكفها عمن عاد إلى الإسلام.
وهذا الكلام ينطبق على مرتدي بني حنيفة في اليمامة، لا بني كلب في دومة الجندل.
فالواضح من الأحداث أن عمرو بن العاص – رضي الله عنه- لم يوفق في مهمته التي أُنيطت به، مما جعل الخليفة أبا بكر الصديق رضي الله عنه يكتب إلى عياض بن غنم رضي الله عنه بأن يسير إلى العراق مروراً بدومة الجندل، كما سيأتي بيانه فيما يلي.
حملة عياض بن غنم وخالد بن الوليد رضي الله عنهما سنة(12هـ):
بعد معركة اليمامة والقضاء على مسيلمة الكذاب، كتب أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى خالد بن الوليد رضي الله عنه وهو في اليمامة بأن يغزو العراق مدداً للمثنى الشيباني رضي الله عنه.
على أن بعض الروايات تقول: إن خالد بن الوليد رضي الله عنه عاد من اليمامة إلى المدينة، ومنها سار إلى العراق.
وفي الوقت نفسه كتب أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى عياض بن غنم رضي الله عنه وهو بين النباج والحجاز: أن سر حتى تأتي المصيخ فابدأ بها، ثم أدخل العراق من أعلاه، ولا تستفتحا [ يقصد خالد بن الوليد وعياض بن غنم رضي الله عنهما ] بمتكاره.
وذلك يعني أن يغزو خالد بن الوليد العراق من جنوبه وعياض بن غنم من شماله.
وكتب إليهما أن استنفروا من قاتل معكم أهل الردة، ومن ثبت على الإسلام بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يغزُ معكم أحد قد ارتد.
وقال: أيكما سبق إلى الحيرة فهو أمير على صاحبه.
وفعلاً سيطر خالد بن الوليد رضي الله عنه على جنوب العراق حتى الحيرة وجلس فيها أكثر من سنة ينتظر عياضاً، أما عياض بن غنم فقد سار إلى كلب دومة الجندل ودخل معهم في صراع غير حاسم، فأخذ ينتظر المدد من أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فلما وصلت غنائم خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه مع الوليد بن عقبة رضي الله عنه، بعث أبو بكر الصديق الوليد بن عقبة بتلك الغنائم إلى عياض.
ويصف الطبري حال عياض بن غنم مع كلب دومة الجندل بقوله: " وعياض محاصرهم وهم محاصروه ".
بمعنى: أن عياض بن غنم يحاصر دومة الجندل وبعض كلب دومة الجندل تحاصر عياض فلا تمكنه من الحركة، وصاروا هم المسيطرين على الطرق، فاستشار عياض الوليد بن عقبة عن مخرج لذلك، فأشار عليه بالكتابة لخالد بن الوليد يستمده، ففعل، فكتب له خالد بن الوليد: من خالد إلى عياض إياك أريد. [أظنها أقصر رسالة في التاريخ]
ولما بلغ كلب دومة الجندل مسير خالد بن الوليد إليهم بعثوا إلى أحزابهم: كلب، وبهراء، وغسان، وتنوخ، والضجاعم، وكان قد أتاهم من قبل وديعة في عدد كبير من كلب الشام وبهراء، فلما بلغهم دنو خالد بن الوليد – الذي سار من عين التمر يريدهم – اختلفوا، وكانوا – أي أهل دومة الجندل- تحت رئيسين هما: الأكيدر بن عبد الملك الكندي، والجودي بن ربيعة الكلبي، حيث مال الأكيدر إلى مصالحة القوم نظراً لما عرفه - خلال تجربته السابقة في العهد النبوي الشريف- عن شجاعة خالد بن الوليد رضي الله عنه قائلاً: " ... ولا يرى وجه خالدٍ قوم أبداً، قلّوا أو كثروا إلا انهزموا عنه، فأطيعوني وصالحوا القوم ". [التاريخ يُصدِّق مقولته، فحتى في حربه مع المسلمين (يوم أحد) كان هو المنتصر؛ ولهذا فهو: سيف الله المسلول]
إلا أن كلب دومة الجندل المرتدين والجودي بن ربيعة لم يعملوا بنصيحة الأكيدر، مما جعل الأكيدر يتركهم ويتسلل يريد الهروب عن دومة الجندل، وكان خالد بن الوليد قد علم بتلك الحادثة فأرسل عاصم بن عمر ليعترض طريقه ويقبض عليه، ففعل، فتظاهر الأكيدر بأنه إنما خرج مستقبلاً الأمير خالد بن الوليد ومرحباً به.
فما كان من خالد بن الوليد – رضي الله عنه – إلا أن أمر به فضربت عنقه، وواصل خالد طريقه نحو دومة الجندل التي كانت تحت رئاسة الجودي بن ربيعة، وزعامات أخرى أمثال وديعة الكلبي، وابن رومانس الكلبي، وابن الأيهم الغساني، وابن الحدرجان الضجعمي، فجعل خالد بن الوليد دومة الجندل بينه وبين عياض بن غنم، وبمعنى آخر: شكلت القوات الإسلامية فكي كماشة حول مدينة دومة الجندل والقبائل المتحالفة معها.
وكانت المواجهة بين خالد بن الوليد رضي الله عنه وجيشه وبين الجودي بن ربيعة ووديعة الكلبي ومن معهما من قبائلهما، وفي المقابل كانت المواجهة الأخرى بين عياض بن غنم رضي الله عنه وجيشه وبين ابن الحدرجان وابن الأيهم ومن معهما من قبائلهما، فكان النصر حليف المسلمين، حيث أخذ خالد بن الوليد رضي الله عنه الجودي أخذاً، وأخذ الأقرع بن حابس التميمي وديعة، وانهزمت البقية إلى حصن دومة الجندل (مارد) الذي لم يتسع لهم جميعاً، فأغلق من هم فيه دون من هم خارجه، مما جعل تلك البقية الزائدة التي لم يتحملها ذلك الحصن تلتف حوله مخبولين قد أصابهم الذعر.
وعندما رأى عاصم بن عمرو التميمي ذلك، حنّ قلبه على حلفاء بني عمومته كلب، فأراد الوفاء بحلف قديم لكلب مع تميم، فصاح ينادي: " يا بني تميم، حلفاؤكم كلب آسوهم وأجيروهم؛ فإنكم لا تقدرون لهم على مثلها ". [سداد الدين سمة الأوفياء، وحري بكل واحد منا أن يتحلى بالوفاء]
وفعلاً فعل بنو تميم ذلك، فأجارت تميم كلب دومة الجندل، وأقبل خالد على الذين انطووا حول الحصن فقتلهم حتى سد بهم باب حصن دومة الجندل، ثم دعا بالجودي فضرب عنقه، وبالأسرى فضربت أعناقهم سوى أسرى بني كلب، حيث أجارتهم تميم وآمنتم، فأطلقهم لهم خالد بن الوليد، وقال: " ما لي ولكم! أتحفظون أمر الجاهلية وتضعيون أمر الإسلام! فقال له عاصم: لا تحسُدهم العافية، ولا يُحوِّزهم الشيطان ".
وما هي إلا لحظات وإذا بخالد بن الوليد رضي الله عنه يقلع باب حصن دومة الجندل بسيفه، فاقتحمه المسلمون على من هم بداخله، وقتلوا المقاتلة، وسبوا الشرخ [النساء الشابات]، فأقاموهن فيمن يزيد، واشترى خالد بن الوليد ابنة الجودي [وهي ليلى]، حيث كانت مشهورة بجمالها.
تزوج خالد بن الوليد – رضي الله عنه – من ليلى بنت الجودي، ودخل بها في دومة الجندل، فأقام بها مدة قصيرة ثم مضى رضي الله عنه لاستكمال الفتوح الإسلامية.
وقد غلبت ليلى في حبها على خالد بن الوليد رضي الله عنه حتى أعرض عمن سواها من نسائه، ثم أصابها مرض شديد فتغيرت وذهب بعض جمالها فمتعها وردها إلى أهلها.
وهي نفسها التي عشقها عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقال فيها:
تذكرت ليلى والسماوة بيننا ******** وما لابنة الجودي ليلى وما ليا
وهكذا نجت كلب دومة الجندل بحليفتها تميم، أما السكون – الأكيدر وبنو عمومته - فقد أبيدوا عن بكرة أبيهم إلا من قد أسلم منهم، وذلك بعد حصرهم في الحصن بدومة الجندل، وبقيت كلب دومة الجندل لتقوم بدور كبير في عهد الدولة الإسلامية بعد ذلك.
على أن دخول كلب دومة الجندل إلى النفوذ الإسلامي لم ينه حروب المسلمين مع كل قبيلة كلب التي كانت أرضها تمتد حتى قنسرين، حيث إن الطبري ذكر أن أول لواء عقد لحرب الروم في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه كان لواء خالد بن سعيد بن العاص، الذي جعل من مدينة تيماء مركزاً له يجمع فيها جموعه، فلما علمت الروم بذلك استنفرت العرب فنفر إليها عدد كبير من بهراء وكلب وسليح وتنوخ ولخم وجذام وغسان، وكان موقعهم دون زيزاء، فكتب خالد بن سعيد – وكان ذلك في سنة (13هـ) – لأبي بكر الصديق رضي الله عنه يخبره بذلك، فرد عليه أبو بكر: أن أقدم عليهم ولا تحجمن، فسار إليهم خالد بن سعيد، فلما دنا منهم تفرقوا، وأعروا منازلهم، فنزل بها خالد بن سعيد، ودخل أغلب من تجمع ضده في الإسلام، فأرسل يخبر أبا بكر الصديق رضي الله عنه بذلك فشجعه على التقدم، وفعلاً تقدم وكانت له وقعات مع الروم، كان النصر حليفه فيها.
ومنذ ذلك الحين أصبحت دومة الجندل حصناً من حصون الإسلام تنطلق منه الجيوش الإسلامية الفاتحة إلى بلاد الشام، وأصبحت كلب دومة الجندل من أعظم مكاسب المسلمين قبل فتوح الشام، من حيث قربهم المكاني منها من جهة، وخبرتهم ومعرفتهم ببلاد الشام وكيفية قتال أهلها من جهة أخرى، مما كان له أثره الفعّال في سير تلك الفتوحات قُدماً.
ورغم أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قد وجه قادته بأن يستنفروا من ثبت على الإسلام بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم دون من ارتد، إلا أن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه (13 – 23هـ) لما تولى الخلافة، كان أول عمل قام به أن ندب أهل الردة [العائدين للإسلام] للمشاركة في الجهاد والفتح، فأقبلوا إليه سراعاً ملبين دعوته.
ومن تتبع الروايات التاريخية عن مواقف كلب دومة الجندل خلال عصر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، نجد أن أغلبهم رحب بالفاتحين وشارك معهم؛ إما بدافع ديني (لأنهم اعتنقوا الإسلام)، وإما بسبب وجود صلات وروابط توثقها بالحجاز والمسلمين كالزواج والتجارة وغيرها، وإما بحكم الموقع الجغرافي لهم، لكونهم هم الأقرب إلى مركز الخلافة الإسلامية (المدينة المنورة)، مما يجعلهم محل التهديد والعرضة للخطر.
وتذكر بعض المصادر التاريخية أن بعض بني كلب لحقت بالروم لما خرجت من الشام على يد الجيوش الإسلامية، وقد عرفت لهم ضاحية باسمهم هناك، وحاولت إياد أن تتبعها في ذلك غير أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أرسل إليهم يدعوهم إلى الإسلام فأسلموا.
والمقصود هنا هم كلب الشام لا كلب دومة الجندل.
ولعل من أبرزهم : علقمة بن وائل الكلبي، الذي كان مع المسلمين، على المقاسم يوم اليرموك؛ إلا أنه تنصَّر بعدها ولحق بالروم.
بعدما توفي الرسول صلى الله عليه وسلم [توفى صلى الله عليه وسلم حين زاغت شمس الإثنين 12 ربيع الأول سنة (11هـ)] ارتدت بعض كلب دومة الجندل من الذين لم يتعمق الإسلام في نفوسهم ممن أسلموا متأخراً، حيث تذكر المصادر التاريخية أن وديعة الكلبي قد ارتد فيمن آزره من كلب دومة الجندل ومنعوا الزكاة؛ بينما بقي امرؤ القيس الكلبي وكثير من كلب دومة الجندل على إسلامهم.
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد توفي وهو لم ينفذ جيش أسامة بن زيد (رضي الله عنه)، والذي بعثه إلى الشام وأمره أن يوطيء الخيل تخوم البلقاء، والداروم [قلعة تقع قرب غزة] من أرض فلسطين، وبلاد الأردن.
فما كان من أبي بكر الصديق رضي الله عنه (11- 13هـ) عندما تولى خلافة المسلمين إلا أن قام بإنفاذ جيش أسامة رضي الله عنه قائلاً لأسامة: " أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك؛ إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصيك، فأنفذ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإني لست آمرك ولا أنهاك عنه، وإنما أنا منفذ لأمرٍ أمرَ به رسول الله صلى الله عليه وسلم ".
وفعلاً سار جيش أسامة سريعاً ووطيء بلاد قضاعة، ثم نزل وادي القرى، ومنها إلى أبنى فشن الغارة تلو الأخرى، وبث الخيول لمحاربة المرتدين ففروا من بين يديه إلى وديعة الكلبي في دومة الجندل، ومضى أسامة بخيوله حتى حدود مؤتة ثم انكفأ سالماً غانماً.
ومن هنا أصبحت دومة الجندل حصناً من حصون المرتدين، وشوكة في حلق المسلمين، خاصة بعدما ارتد أيضاً حاكمها الأكيدر بن عبدالملك السكوني.
ولذلك فإن أبا بكر الصديق رضي الله عنه عقد لواءً لعمرو بن العاص رضي الله عنه من أجل محاربة وديعة الكلبي ومن ارتد معه في دومة الجندل، ولواءً لشرحبيل بن حسنة رضي الله عنه مدداً له بعدما ينتهي من محاربة مرتدي اليمامة.
وفعلاً: سارت تلك الجيوش إلى وجهتها وأهدافها المحددة، حيث يذكر الطبري أنها أعادت من ارتد إلى دين الإسلام، بعد قتالها المُصِرّ على الردة، وكفها عمن عاد إلى الإسلام.
وهذا الكلام ينطبق على مرتدي بني حنيفة في اليمامة، لا بني كلب في دومة الجندل.
فالواضح من الأحداث أن عمرو بن العاص – رضي الله عنه- لم يوفق في مهمته التي أُنيطت به، مما جعل الخليفة أبا بكر الصديق رضي الله عنه يكتب إلى عياض بن غنم رضي الله عنه بأن يسير إلى العراق مروراً بدومة الجندل، كما سيأتي بيانه فيما يلي.
حملة عياض بن غنم وخالد بن الوليد رضي الله عنهما سنة(12هـ):
بعد معركة اليمامة والقضاء على مسيلمة الكذاب، كتب أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى خالد بن الوليد رضي الله عنه وهو في اليمامة بأن يغزو العراق مدداً للمثنى الشيباني رضي الله عنه.
على أن بعض الروايات تقول: إن خالد بن الوليد رضي الله عنه عاد من اليمامة إلى المدينة، ومنها سار إلى العراق.
وفي الوقت نفسه كتب أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى عياض بن غنم رضي الله عنه وهو بين النباج والحجاز: أن سر حتى تأتي المصيخ فابدأ بها، ثم أدخل العراق من أعلاه، ولا تستفتحا [ يقصد خالد بن الوليد وعياض بن غنم رضي الله عنهما ] بمتكاره.
وذلك يعني أن يغزو خالد بن الوليد العراق من جنوبه وعياض بن غنم من شماله.
وكتب إليهما أن استنفروا من قاتل معكم أهل الردة، ومن ثبت على الإسلام بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يغزُ معكم أحد قد ارتد.
وقال: أيكما سبق إلى الحيرة فهو أمير على صاحبه.
وفعلاً سيطر خالد بن الوليد رضي الله عنه على جنوب العراق حتى الحيرة وجلس فيها أكثر من سنة ينتظر عياضاً، أما عياض بن غنم فقد سار إلى كلب دومة الجندل ودخل معهم في صراع غير حاسم، فأخذ ينتظر المدد من أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فلما وصلت غنائم خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه مع الوليد بن عقبة رضي الله عنه، بعث أبو بكر الصديق الوليد بن عقبة بتلك الغنائم إلى عياض.
ويصف الطبري حال عياض بن غنم مع كلب دومة الجندل بقوله: " وعياض محاصرهم وهم محاصروه ".
بمعنى: أن عياض بن غنم يحاصر دومة الجندل وبعض كلب دومة الجندل تحاصر عياض فلا تمكنه من الحركة، وصاروا هم المسيطرين على الطرق، فاستشار عياض الوليد بن عقبة عن مخرج لذلك، فأشار عليه بالكتابة لخالد بن الوليد يستمده، ففعل، فكتب له خالد بن الوليد: من خالد إلى عياض إياك أريد. [أظنها أقصر رسالة في التاريخ]
ولما بلغ كلب دومة الجندل مسير خالد بن الوليد إليهم بعثوا إلى أحزابهم: كلب، وبهراء، وغسان، وتنوخ، والضجاعم، وكان قد أتاهم من قبل وديعة في عدد كبير من كلب الشام وبهراء، فلما بلغهم دنو خالد بن الوليد – الذي سار من عين التمر يريدهم – اختلفوا، وكانوا – أي أهل دومة الجندل- تحت رئيسين هما: الأكيدر بن عبد الملك الكندي، والجودي بن ربيعة الكلبي، حيث مال الأكيدر إلى مصالحة القوم نظراً لما عرفه - خلال تجربته السابقة في العهد النبوي الشريف- عن شجاعة خالد بن الوليد رضي الله عنه قائلاً: " ... ولا يرى وجه خالدٍ قوم أبداً، قلّوا أو كثروا إلا انهزموا عنه، فأطيعوني وصالحوا القوم ". [التاريخ يُصدِّق مقولته، فحتى في حربه مع المسلمين (يوم أحد) كان هو المنتصر؛ ولهذا فهو: سيف الله المسلول]
إلا أن كلب دومة الجندل المرتدين والجودي بن ربيعة لم يعملوا بنصيحة الأكيدر، مما جعل الأكيدر يتركهم ويتسلل يريد الهروب عن دومة الجندل، وكان خالد بن الوليد قد علم بتلك الحادثة فأرسل عاصم بن عمر ليعترض طريقه ويقبض عليه، ففعل، فتظاهر الأكيدر بأنه إنما خرج مستقبلاً الأمير خالد بن الوليد ومرحباً به.
فما كان من خالد بن الوليد – رضي الله عنه – إلا أن أمر به فضربت عنقه، وواصل خالد طريقه نحو دومة الجندل التي كانت تحت رئاسة الجودي بن ربيعة، وزعامات أخرى أمثال وديعة الكلبي، وابن رومانس الكلبي، وابن الأيهم الغساني، وابن الحدرجان الضجعمي، فجعل خالد بن الوليد دومة الجندل بينه وبين عياض بن غنم، وبمعنى آخر: شكلت القوات الإسلامية فكي كماشة حول مدينة دومة الجندل والقبائل المتحالفة معها.
وكانت المواجهة بين خالد بن الوليد رضي الله عنه وجيشه وبين الجودي بن ربيعة ووديعة الكلبي ومن معهما من قبائلهما، وفي المقابل كانت المواجهة الأخرى بين عياض بن غنم رضي الله عنه وجيشه وبين ابن الحدرجان وابن الأيهم ومن معهما من قبائلهما، فكان النصر حليف المسلمين، حيث أخذ خالد بن الوليد رضي الله عنه الجودي أخذاً، وأخذ الأقرع بن حابس التميمي وديعة، وانهزمت البقية إلى حصن دومة الجندل (مارد) الذي لم يتسع لهم جميعاً، فأغلق من هم فيه دون من هم خارجه، مما جعل تلك البقية الزائدة التي لم يتحملها ذلك الحصن تلتف حوله مخبولين قد أصابهم الذعر.
وعندما رأى عاصم بن عمرو التميمي ذلك، حنّ قلبه على حلفاء بني عمومته كلب، فأراد الوفاء بحلف قديم لكلب مع تميم، فصاح ينادي: " يا بني تميم، حلفاؤكم كلب آسوهم وأجيروهم؛ فإنكم لا تقدرون لهم على مثلها ". [سداد الدين سمة الأوفياء، وحري بكل واحد منا أن يتحلى بالوفاء]
وفعلاً فعل بنو تميم ذلك، فأجارت تميم كلب دومة الجندل، وأقبل خالد على الذين انطووا حول الحصن فقتلهم حتى سد بهم باب حصن دومة الجندل، ثم دعا بالجودي فضرب عنقه، وبالأسرى فضربت أعناقهم سوى أسرى بني كلب، حيث أجارتهم تميم وآمنتم، فأطلقهم لهم خالد بن الوليد، وقال: " ما لي ولكم! أتحفظون أمر الجاهلية وتضعيون أمر الإسلام! فقال له عاصم: لا تحسُدهم العافية، ولا يُحوِّزهم الشيطان ".
وما هي إلا لحظات وإذا بخالد بن الوليد رضي الله عنه يقلع باب حصن دومة الجندل بسيفه، فاقتحمه المسلمون على من هم بداخله، وقتلوا المقاتلة، وسبوا الشرخ [النساء الشابات]، فأقاموهن فيمن يزيد، واشترى خالد بن الوليد ابنة الجودي [وهي ليلى]، حيث كانت مشهورة بجمالها.
تزوج خالد بن الوليد – رضي الله عنه – من ليلى بنت الجودي، ودخل بها في دومة الجندل، فأقام بها مدة قصيرة ثم مضى رضي الله عنه لاستكمال الفتوح الإسلامية.
وقد غلبت ليلى في حبها على خالد بن الوليد رضي الله عنه حتى أعرض عمن سواها من نسائه، ثم أصابها مرض شديد فتغيرت وذهب بعض جمالها فمتعها وردها إلى أهلها.
وهي نفسها التي عشقها عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقال فيها:
تذكرت ليلى والسماوة بيننا ******** وما لابنة الجودي ليلى وما ليا
وهكذا نجت كلب دومة الجندل بحليفتها تميم، أما السكون – الأكيدر وبنو عمومته - فقد أبيدوا عن بكرة أبيهم إلا من قد أسلم منهم، وذلك بعد حصرهم في الحصن بدومة الجندل، وبقيت كلب دومة الجندل لتقوم بدور كبير في عهد الدولة الإسلامية بعد ذلك.
على أن دخول كلب دومة الجندل إلى النفوذ الإسلامي لم ينه حروب المسلمين مع كل قبيلة كلب التي كانت أرضها تمتد حتى قنسرين، حيث إن الطبري ذكر أن أول لواء عقد لحرب الروم في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه كان لواء خالد بن سعيد بن العاص، الذي جعل من مدينة تيماء مركزاً له يجمع فيها جموعه، فلما علمت الروم بذلك استنفرت العرب فنفر إليها عدد كبير من بهراء وكلب وسليح وتنوخ ولخم وجذام وغسان، وكان موقعهم دون زيزاء، فكتب خالد بن سعيد – وكان ذلك في سنة (13هـ) – لأبي بكر الصديق رضي الله عنه يخبره بذلك، فرد عليه أبو بكر: أن أقدم عليهم ولا تحجمن، فسار إليهم خالد بن سعيد، فلما دنا منهم تفرقوا، وأعروا منازلهم، فنزل بها خالد بن سعيد، ودخل أغلب من تجمع ضده في الإسلام، فأرسل يخبر أبا بكر الصديق رضي الله عنه بذلك فشجعه على التقدم، وفعلاً تقدم وكانت له وقعات مع الروم، كان النصر حليفه فيها.
ومنذ ذلك الحين أصبحت دومة الجندل حصناً من حصون الإسلام تنطلق منه الجيوش الإسلامية الفاتحة إلى بلاد الشام، وأصبحت كلب دومة الجندل من أعظم مكاسب المسلمين قبل فتوح الشام، من حيث قربهم المكاني منها من جهة، وخبرتهم ومعرفتهم ببلاد الشام وكيفية قتال أهلها من جهة أخرى، مما كان له أثره الفعّال في سير تلك الفتوحات قُدماً.
ورغم أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قد وجه قادته بأن يستنفروا من ثبت على الإسلام بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم دون من ارتد، إلا أن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه (13 – 23هـ) لما تولى الخلافة، كان أول عمل قام به أن ندب أهل الردة [العائدين للإسلام] للمشاركة في الجهاد والفتح، فأقبلوا إليه سراعاً ملبين دعوته.
ومن تتبع الروايات التاريخية عن مواقف كلب دومة الجندل خلال عصر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، نجد أن أغلبهم رحب بالفاتحين وشارك معهم؛ إما بدافع ديني (لأنهم اعتنقوا الإسلام)، وإما بسبب وجود صلات وروابط توثقها بالحجاز والمسلمين كالزواج والتجارة وغيرها، وإما بحكم الموقع الجغرافي لهم، لكونهم هم الأقرب إلى مركز الخلافة الإسلامية (المدينة المنورة)، مما يجعلهم محل التهديد والعرضة للخطر.
وتذكر بعض المصادر التاريخية أن بعض بني كلب لحقت بالروم لما خرجت من الشام على يد الجيوش الإسلامية، وقد عرفت لهم ضاحية باسمهم هناك، وحاولت إياد أن تتبعها في ذلك غير أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أرسل إليهم يدعوهم إلى الإسلام فأسلموا.
والمقصود هنا هم كلب الشام لا كلب دومة الجندل.
ولعل من أبرزهم : علقمة بن وائل الكلبي، الذي كان مع المسلمين، على المقاسم يوم اليرموك؛ إلا أنه تنصَّر بعدها ولحق بالروم.